01-مايو-2024
"فلسطين حرّة" على قاعة "هاميلتون" التي اعتصم بها طلبة جامعة كولومبيا

"فلسطين حرّة" على قاعة "هاميلتون" التي اعتصم بها طلبة جامعة كولومبيا - SARAH YENESEL/EPA

لم تحظ القضية التي تقدّمت بها نيكاراغوا ضدّ ألمانيا في محكمة العدل الدولية بتهمة الشراكة في الإبادة الجماعية بالقدر الذي تستحقّه من الاهتمام الإعلامي والشعبي، خاصة إذا ما قارنا ذلك بالاهتمام الواسع في القضية التي تقدّمت بها جنوب أفريقيا ضدّ "إسرائيل" بتهمة الإبادة الجماعية. لكن قضية نيكاراغوا تشكّل تطورًا نوعيًا في منظومة القانون الدولي، وسيكون لها أثر كبير على القانون الدولي ومبدأ مسؤولية الأطراف الثالثة فيما يتعلق بالجرائم المعرّفة، ومنها جريمة الإبادة الجماعية، جريمة الجرائم كما توصف في الأوساط القانونية.

بغض النظر عن النتائج في المحاكمتين، يدرك المختصون أن جنوب إفريقيا ونيكاراغوا ساهمتا بفتح باب الاجتهاد والتطوير القانوني على مصراعيه وبطريقة كسرت الاستئثار الغربي بالمجال وتبرأت من استثناء "إسرائيل" من معايير المحاسبة

فنّيًا، تستند القضيتان ضد "إسرائيل" وألمانيا على المسؤوليات الملزمة للدول الموقِّعة على معاهدة مناهضة الإبادة الجماعية وتحديدًا البند التاسع من المعاهدة، والذي يعطي الدول الأعضاء الحق في اللجوء لمحكمة العدل الدولية في حال وجود انتهاك أو خطر قيام دولة أخرى عضو في المعاهدة بانتهاك المعاهدة. وبينما تُركّز قضية جنوب أفريقيا على اتّهام "إسرائيل" بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ذهبت نيكاراغوا أبعد من ذلك واتّهمت ألمانيا بالتواطؤ مع "إسرائيل" على انتهاك القانون الدولي الإنساني وارتكاب جريمة الإبادة فضلًا على خروقات أخرى لمعاهدة الإبادة الجماعية في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، وذلك بسبب دعم ألمانيا السياسي والعسكري لـ "إسرائيل".

في كل الحالات، تنحصر ولاية محكمة العدل الدولية على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والتي تقبل بتحكيمها، وهو ما حاولت "إسرائيل" استخدامه لحمل المحكمة على رفض القضية التي تقدمت بها جنوب أفريقيا حيث لا تستطيع المحكمة مخاطبة أو محاكمة تنظيمات مسلحة مثل حركة حماس. وبالرغم من إجماع كل الأطراف، بما في ذلك جنوب أفريقيا، على وجود خروقات جسيمة للقانون الدولي في هجمات السابع من أكتوبر، إلا أن فظاعة وهول ما ترتكبه "إسرائيل" من جرائم دفع محكمة العدل الدولية على قبول الدعاوى التاريخية هذه.   

كسرت جنوب أفريقيا أحد المحرمات الراسخة في النظام الدولي والمتمثل في محاكمة "إسرائيل" (دولة أو أفرادًا) بتهم تتعلق بالقتل الجماعي والإبادة، وهو أمر لم يكن العقل الغربيّ ليتحمّل تصوّره أو السماح به

سياسيًا، كسرت جنوب أفريقيا أحد المحرمات الراسخة في النظام الدولي والمتمثل في محاكمة "إسرائيل" (دولة أو أفرادًا) بتهم تتعلق بالقتل الجماعي والإبادة، وهو أمر لم يكن العقل الغربي ليتحمّل تصوّره أو السماح به قبل ذلك. لكن جنوب أفريقيا اعتلت سدة الدفاع عن مبادئ القانون الدولي التي تخلى عنها صانعوها في الغرب لصالح دعم "إسرائيل" وفتحت بذلك فصلًا جديدًا في القانون الدولي والعلاقات الدولية. رفضت جنوب أفريقيا استمرار وجود الاستثناء الإسرائيلي في المنظومة الدولية، وفرضت باقتدار على هذه المنظومة غربيّة المولد، الامتحان الأقسى في تاريخها، حيث يُحاكم الآن من استأثر بمنزلة الضحية في الغرب بأشنع تهمة معرفة في القانون وبموجب معاهدة صيغت على خلفية المحرقة.

أمّا نيكاراغوا، فقد استهدفت ثاني أكبر مصدّر سلاح لـ "إسرائيل" لأن الولايات المتحدة الأميركية وهي المصدِّر الأكبر والصيد الأثمن لا تُخضع نفسها للمحاسبة في أي محكمة دولية. لكن استهداف ألمانيا كسر تابو غربي آخر، والمتمثل بوضع ألمانيا في قفص الاتهام بعد أن أمضت 75 عامًا وهي تدّعي التكفير عن ذنبها الأخير المتمثّل في المحرقة، من خلال تبني كل أدوات وآليات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي دون تحفّظ. آثرت هذه الدولة الأوروبية المحورية الفضيحة السياسية والإذلال المعنوي في مواجهة الاتهام بالمساهمة في إبادة جماعية جديدة، على تغيير سياساتها الداعمة لـ "إسرائيل" وجرائمها في كل الأحوال والظروف. ألمانيا التي يزدحم تاريخها بالفظائع والجرائم ضدّ الإنسانية تقف اليوم متهمة بالتواطؤ مع "إسرائيل" في اقتراف الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني. هذه هي المفارقة القانونية والمعنوية والأخلاقية التي فرضت نيكاراغوا نقاشها أمام أعلى محكمة في العالم.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الإجراءات الاحترازية التي أمرت بها محكمة العدل الدولية مرتين فيما يخص "إسرائيل" وإن لم يكن هناك طريقة لإلزام "إسرائيل" بها فهي ملزمة قانونيًا، ولا يمكن للدول الأعضاء في المعاهدة، بما فيهم ألمانيا تجاهلها. وهذا يفسر انصياع دول مثل كندا واليابان على سبيل المثال وإعلانهما وقف الصفقات التجارية المتعلقة بـ "إسرائيل"، في حين ازداد الضغط السياسي على الحكومة البريطانية حول استمرار تزويدها لـ "إسرائيل" بالسلاح/ في حين أوقفت حكومة ريشي سوناك تمويل "أونروا" بناء على ادعاءات إسرائيلية ثبت زيفها.

نقاشات ومداولات كسرت خطوطًا كان مجرّد الحديث فيها عن "جرائم إسرائيل" لا يمكن التعايش معه في الغرب

في الأثناء، ضجّت أروقة البرلمانات الغربية بنقاشات صاخبة حول الجرائم الإسرائيلية ومسؤوليات تلك الدول السياسية والقانونية والأخلاقية تجاه حرب الإبادة المستمرة، وهي نقاشات ومداولات كسرت خطوطًا حمر سياسية إضافية في الغرب الذي كان سياسيّوه يعتبرون مجرد الحديث عن جرائم ترتكبها "إسرائيل" أمرًا لا يمكن التعايش معه. وقد ساهمت مقاومة الحكومات للرأي العام وتمسّكها بدعم "إسرائيل" في ظلمها وإجرامها في تعرية ازدواجية معايير النادي السياسي الغربي وعنصريته الواضحة لدى مواطنيه، ما أحدث صدمة وجدانية عميقة لدى شريحة الشباب على وجه الخصوص.

قانونيًا ومعنويًا، إجرام "إسرائيل" وحماية حلفائها لها يهدد المنظومة الدولية برمتها بالانهيار، ما يشكّل تهديدًا استراتيجيًا للأمن والسلم العالمي. هذا الخطر الداهم لم يُبق لمحكمة العدل الدولية خيارات سوى الانتصار لمكانتها وقدرتها على حماية منظومة القوانين التي تمثلها رغم إدراك القضاة أن الثمن سيكون سابقة قانونية لا يمكن محوها أو التنكر لها. لذلك أيضًا، وبالرغم من عدم استصدار أوامر بإجراءات احترازية ضدّ ألمانيا، أكدت المحكمة إلزامية أوامرها السابقة في القضية ضدّ "إسرائيل" ووجوب احترامها من قبل ألمانيا. وسمحت للقضية بالمضيّ قدمًا لمرحلة التقاضي. وهذا ما أوصل المنظومة الدولية لسابقة مذهلة تتمثل في محاكمة ألمانيا و"إسرائيل" بتهمة خرق معاهدة منع جريمة الإبادة الجماعية وهي جريمة الجرائم في القانون الدولي.

هكذا وبسطور قليلة، فتح قضاة المحكمة الدولية صفحة جديدة في القانون الدولي تتعلق بمسؤولية الدول القانونية تجاه ما ينتج عن دعمها العسكري والسياسي لدول ترتكب أفظع الجرائم كما هو الحال مع "إسرائيل". وبغض النظر عن النتائج في المحاكمتين، يدرك المختصون أن جنوب إفريقيا ونيكاراغوا ساهمتا بفتح باب الاجتهاد والتطوير القانوني على مصراعيه وبطريقة كسرت الاستئثار الغربي بالمجال وتبرأت من استثناء "إسرائيل" من معايير المحاسبة والقانون. إنه إنجاز قانوني ومعنوي فارق.